مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
40
تفسير مقتنيات الدرر
إلَّا من رحمه اللَّه فعصمه فيكون « ما » بمعنى « من » نحو « ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ » « 1 » ويجوز أن يكون « ما » معناه إلَّا مدّة ما عصم ربّي ومن قال : إنّ هذا الكلام من قول يوسف معناه : لا أبرّئ نفسي ممّا لا تعتري منه طباع البشر وإنّما امتنعت عن الفاحشة بهدايته ولطفه لا بنفسي لأنّه عليه السّلام كره أن يكون قد زكّى نفسه * ( [ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ ] ) * لعباده * ( [ رَحِيمٌ ] ) * بهم . قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 54 إلى 57 ] وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِه ِ أَسْتَخْلِصْه ُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَه ُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 57 ) . المعنى : لمّا تبيّن أمانة يوسف وبراءته من السوء أمر بإحضاره فقال : * ( [ ائْتُونِي بِه ِ ] ) * أجعله خالصا لنفسي أرجع إليه في تدبير مملكتي وأعمل على صلاحه وإشارته ، وهاهنا حذف أي فلمّا جاء الرسول وأخرجه من الحبس وأحضره عند الملك وكلَّمه قال : إنّك عندنا ذو مكانة وشأن مأمون ثقة أي مكّنتك في ملكي وجعلت سلطانك فيه كسلطاني . قال الكلبيّ : فلمّا خرج من السجن أقبل يوسف وتنظَّف من درن السجن ، والبس ثيابا جددا ، وأتى الملك وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة ، فلمّا رآه الملك شابّا حدث السنّ ، قال : يا غلام هذا تأويل رؤياي ولم يعلمه الكهنة ! قال : نعم . فأقعده قدّامه . ولمّا خرج من السجن كتب يوسف على باب السجن : هذا قبور الأحياء وبيت الأحزان وتجربة الأصدقاء وشماتة الأعداء . ولمّا دخل على الملك قال : اللهمّ إنّي أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بك من شرّه وشرّ غيره . ولمّا ورد على الملك سلَّم يوسف عليه بالعربيّة ، فقال له الملك : ما هذا اللسان ؟ قال : لسان عمّي إسماعيل . ثمّ دعى له بالعبرانيّة فقال له الملك : ما هذا اللسان ؟ قال : لسان آبائي . وكان الملك يتكلَّم سبعين لسانا فكلَّما كلَّم الملك بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان فأعجب الملك ما رأى منه .
--> ( 1 ) النساء : 3 .